2012-02-14

أزهي عصور الإستقرار







تربي هنا وعاش طفولته وشبابه كان يحفظ  الحي  يعرف  مداخله و مخارجه وأسماء سكانه وأولادهم ،معظمهم كانوا أصدقائه ورفاق دربه
ولكنه الآن يشعر بالغربة والحزن لما آل إليه الحال   

شوارع الحي مقفرة لم تعد كما أعتادها أصبحت شبه فارغة والحركة لا تتعدي بضعة أشخاص يمرون علي فترات متباعدة،وكثير من جنود الخدمة الإلزامية بزيهم الأخضر المموه يتسكعون هنا وهناك 


 الناس وجوههم متجهمة  شاحبة وابصارهم زائغة ،ينظرون اليه بقلق وترقب ثم يمضون في طريقم غير عابئين بهذا الغريب الذى اقتادته قدماه لحيهم البائس
بحث فيما بينهم عن من يعرفه ولكنه فشل 

كان يبحث عن منزل أسرته الذي غادره منذ 10 سنوات هربا من جحيم مستعر احاط به من كل مكان ،لم يجد المنزل ،وجد بقاياه وقد تحولت إلى مقلب كبير للقمامه ومرتع للكلاب والقطط الضالة

بحث عن منزل رفيق كفاحه احمد عبدالله  كان في الجهة القابلة 
المباني ممسوخة ادوارها السفلي  خرسانة مهدمة مائله تليها ادوار اخري من خشب او صفيح يعلوه الصدأ،بالكاد تعرف عليه 


نادي علي رفيقه
 ..مرة...ثانية....ثالثة  
يأس من الحصول علي رد 
وهم ّ ليغادر المكان ،عندما سمع صوتها  كأنه قادم من اعماق جب سحيق 


مين ؟؟ مين بينادي علي أحمد؟؟


إستدار عائدا وكأن ردها كان له طوق نجاه بين جنبات بحر هادر 
إنها هى "أم أحمد" ولكن ماذا اصابها .. ماكل هذه التجاعيد .. وكأنها زادت فوق عمرها عمر آخر 
واهنة شاحبة عيناها غائرتان وكأنها لا تري 


أنا يا خالتي .. أنا محمد.. أحمد موجود؟؟


أحمد!!! .. عليه العوض ومنه العوض 


 أحس بغصة في حلقه .. وشعر بدوار


 مر أمامه شريط ذكريات لصديق عمره ووجهه الضاحك كما أعتاده دوما ، نكاته الساخرة من كل شئ ، حبه للحياة ، واصراره علي ان "بكره احلى" و ان مهما طال ليل الظلم فإن فجر العدل لا ريب آت 


تذكر نظراته الحزينة المتشككة عندما اخبره انه يأس من مطاردات النظام لمعارضيه وتشويهه لصورهم في كل مكان ، والناس التي باتت تعتبرهم خونه وعملاء، وحملات الاعتقال التي طالت الجميع ، اخبره انه قرر السفر لدنيا جديده وبلد آخر
وأنه سيعود فقط عندما يعرف هذا البلد معني العدل والحرية وحقوق الأنسان



حاول ان يقنعه بالرحيل معه  اخبره ان هذا الشعب لا يستحق تضحياتهم

فهو شعب خانع خاضع يريد كل شئ بدون تعب حتي الحرية يريدها هدية بلا ثمن
اعتاد العبودية والعيش بلا كرامة 
  ياصديقي إن مهلك نفسه فيما به صلاح غيره سفيه
هؤلاي غير عابئين بمن يموتون او يصابون، لا يشغل بالهم سوي لقمة العيش حتي لو كانت مغموسة في الذل 
يعبدون الاستقرار ويقدسونه حتي لو كان بلا عدل أو كرامة

أنهم "شعب مستقر" كما يصفونهم متندرين 
أكد له ان النظام علي وشك ان يثبت اقدامه من جديد وعندها سيقضي علي كل معارضيه ، وحتي من أستعان بهم لتنفيذ خططه لن يفلتوا من انتقامه
وسيعود النظام أشرس من ذي قبل يبطش بالجميع ويحكم بقبضة من حديد 


لم  يصدق أن من يحدثه هو محمد من وقف معه في الصفوف الاولي في مواجهاتهم المتكررة مع النظام غير مبال بالموت الذي دنا منه مرات ومرات 


لم يتخيل انه يبيع القضية هكذا بمنتهى السهولة ويتخلي عنه وعن الوطن 
 خنقته العبرة لم يستطع الكلام وأشاح بوجهه بعيدا قبل ان يعانقه ويتمني له السلامه ويدعوه الا ينساه


مرت سنوات لم يقدر علي العودة ولم يستطع ان ينسي ،سافر إلى أبعد مكان عن الوطن عزل نفسه عن الجميع ،دفن همومه في العمل  ، لا يشاهد نشرات الاخبار ولا يقرأ الصحف ،يجبر نفسه علي النسيان  
ولكنه ظل هناك  مخزون  في جزء مظلم لايُمحي من ذاكرته ،حنينه إلية يطفو علي السطح من حين لآخر   


لا ينسي هروبه وجبنه ، لا ينسي تركه لصديق عمره يحارب وحده بظهر مكشوف  
وهاهو قد مات 


فيما كان يفكر 
هل تذكره 
هل لعنه ولعن جبنه
هل التمس له العذر 
هل .. وهل .. وهل 


إنتبه من شروده علي صوتها المستنكر


عاوز منه إيه تانى ..هو خلاص مش عاوز يعرف حد منكوا .. كفاية اللي حصله  


انتشلته الكلمات من بئر عميق سقط فيه ...أحمد مازال حيا.. ولكن أين هو؟؟


سيبه فحاله بقي .. كفاية عمره اللي راح في السجن... وياعالم هايخرج امتي ؟


لقد اعتقله الأوغاد ... آآآآه  يا صديقي .. أي حياة تحيا خلف القضبان وانت من عشت دوما كطائر حر يتنقل من شجرة لأخرى


سألها في أي سجن هو؟؟ فلم تجب وأشاحت بوجهها وأغلقت النافذة  


تجمد في مكانه  يفكر في مصير احب اصدقائه الي قلبه لم يدر دقائق مرت ام ساعات
عندما تنبه علي جلبة وصريخ وبشر يجرون في كل مكان لا يعرف من أين أتوا وإلي أي مكان يذهبون ولا لماذا هم هكذا مذعورن 

 كان الشارع قد تحول إلي ساحة حرب تماثل تلك التي يشاهدها في أفلام الملاحم الإغريقية او كتلك التي تحدث في مهرجانات الجري مع الثيران 



حاول الإستفهام عما يحدث فلم يجبه أحد كلهم مذعورين يجرون الي اللامكان 


 خلفهم  شخصا ما ضخم الجثة مخمور وكأنه خارج للتو من قبره، مشعث الشعر لا يرتدي إلا اقل القليل من الثياب ،عيناه تقدحان بالشرر ويسب الجميع يحمل في إحدي يديه سلاح ابيض وفي الأخري جنزير حديدى 


 تشبث باحدهم وأصر علي معرفة ما يجرى حوله
نظر إليه الآخر بعين تتأرجح بين الريبة والشك .. وعندما تأكد من أنه غريب نصحه بضرورة مغادرة المكان علي الفور 
لماذا؟؟ وماذا سيحدث ؟؟


لم يتلقي أي جواب، فلم يعد الرجل موجود 
انتابه الخوف والرهبة وآثر الخروج من المكان علي ان يعود في الغد ليحاول معرفة مكان أحمد وليستطلع ما حدث
في صباح اليوم التالي ومع أول خيوط النهار هرع إلى هناك باحثا عن إجابة لتساؤلاته 


عندما دخل الحي وجد عدد كبير من الناس متحلقين حول تلفاز المقهى الوحيد في الشارع ، يبدو انهم منتظرين إذاعة نبأ مهم


كما وجد مجموعة أخرى في نهاية الشارع لا يدرى ما سبب تجمعهم علي هذا النحو 
تقدم نحوهم واخترق الزحام ليصدمه المشهد 


اربع  جثث مشوهه وبها العديد من الطعنات مصلوبة على أعمدة الإنارة 
إحداهن كانت للعملاق مشعث الرأس مشنوقه بالجنزير الحديدي ،أما الأخريات فواحدة كانت لطفل صغير لا يتعدي العاشرة ،والثانية لشاب عشرينى، والثالثة فلرجل ذو لحية يقارب الخمسين 


سمع حوله همهمات متفرقة
حسبنا الله ونعم الوكيل 
لا حول ولاقوة الا بالله 
إنا لله وإنا إليه راجعون 


وغيرها من عبارات لم يتبينها فقد كان غارقا في ذهوله غير مصدق مايراه ،أين  الجنود اللذين امتلأ بهم الحي بالأمس،أين الشرطة ؟؟


عاد للمقهي محاولا ان يجد من يفسر له هذه المجزرة


قال له أحدهم ان الرجل ضخم الجثة هو البلطجي المسؤول عن الحى يدفعون له شهريا ليحميهم اخطار اللصوص وبلطجية الاحياء الأخرى
وهو بدوره يدفع لبعض رجال النظام حتي يستمر في مكانه



مصدرالصورة : @Sarahcarr  http://t.co/X1b8lEkF


بالأمس كانت معركة البقاء بينه وبين آخر يريد ان يضم الحى لمنطقة نفوذه
أما الأربع جثث فكانت قربان  حصوله علي صك الموافقة من "اللي فوق" وهو الآن يقدم فروض الطاعة لأسياده ويتسلم مهام عمله


كان مصدوم لا يستطيع ان يصدق ما سمعه ورأه 


يا إلهي  ..هل عدنا لزمن الفتوات ؟؟ اهكذا اصبح الوطن ؟؟ بعد كل هذه الدماء وكل هذه التضحيات 


خيرة شبابك يا وطن خلف القضبان او تحت التراب ،واسوأ مافيك يحيا حياة الملوك 
هز رأسه بعنف محاولا طرد الفكره عنها محدثا نفسه  إن هذا الرجل مؤكد يهزي ،لابد وأنه يحكي قصة من خياله لا تمت للواقع .. بصلة.... لا لا أصدق  


إنتبه علي صوت التلفاز ينوه عن خطاب مهم لرئيس الدولة
 أكيد سيتكلم عما حدث ويعلن أنهم قد ألقوا القبض علي مرتكب الحادث


اقترب وأنصت بإهتمام




يا الله !!!! إنه هو   


فقط تغيرت البزة العسكرية لأخري مدنية علي أحدث صيحات الموضة 
امتلأ جسده واستدار وجهه،إختفت التجاعيد و إزداد شعره سوادا 
لقد اصبح ينافس شاب في منتصف الثلاثينات
لكنها  نفس العيون الغائرة كعيون ذئب والصوت الخفيض القادم من أعماق سحيقة 
نفس برودة الاعصاب واللامبالاة لحرمة الدماء ، نفس الكلام المحفوظ من عشر 
سنوات:
أكد أن هناك من يخطط لعدم استقرار الوطن وأنهم لن ينجحوا فى ذلك وسينالون جزائهم العادل  وقال أن الشعب يعرف جيدا من قام بالأحداث وأنه يجب أن يشارك ولا يظل صامتا 
وكعادته فى كل مرة لم ينسي أن يشير لأنه سيتم صرف التعويضات اللازمة لأسر الشهداء 


وأنهم ماضون علي طريق الاستقرار والديموقراطية والبناء كما إعتادهم الشعب دوما 
.
.
.
.
.



القرآن الكريم